نساء “المساطر”
منذ ساعات الفجر الأولى، تتوجه أم لمياء المرأة الأربعينية إلى مكان تجمع العاملات في منطقة السدة شرق بغداد الذي يطلق عليه العراقيون تسمية “المسطر” مصطحبة معها ابنتها الوحيدة التي لم تتجاوز ربيعها السادس عشر لتحصل على عمل باجر يومي تحمي به نفسها من لسعة الحاجة..
فالمرأة التي فقدت زوجها واضطرت للعودة الى منزل اهلها بعد اقل من عام على زواجها وهي تحمل في احشائها ثمرة ذلك الزواج ادركت منذ اليوم الاول لولادة ابنتها الوحيدة لمياء ان طريق حياتها سيكون مليئا بالهموم والمتاعب وستضطر الى العمل يوما لاعالة طفلتها .
وتروي أم لمياء التي بدت عظام وجهها بارزة للعيان كيف انها تستيقظ في الصباح الباكر وتقوم بايقاظ ابنتها ثم تقوم باعداد الشاي وتتناولان معا بعضا من قطع الخبز والجبن قبل أن تتوجهان إلى موقع تجمع النساء أو إلى (المسطر).
وتقول وهي تقلب يديها السمراوين وقد بدت اصابعها اسمك بكثير من اصابع امرأة بمثل بنيتها: “أنادي لمياء في احيان كثيرة بعد اعداد الشاي فأكتشف انها لازالت نائمة، واعود لايقاظها مجددا، وغالبا ما اضطر الى رفع صوتي عليها او تحريكها حتى تستيقظ”.
وتعترف ام لمياء ان العمل في تشييد المنازل يحتاج الى قوة مضاعفة وان بنيتها الضعيفة لا تحتمل التعب وتسقط في احيان كثيرة بسبب الاجهاد وارتفاع درجات الحرارة في الصيف سيما وانها تتناول وجبة صغيرة وبسيطة من طعام الغداء تأخذها معها من البيت.
وفي الوقت الذي اعتاد العراقيون أن يطلقوا كلمة (المسطر) على أماكن تجمع العمال( الرجال) الباحثين عن عمل مياوم، فإنهم لم يعتادوا على سماع كلمة (مساطر النساء) إلا في الآونة الأخيرة عندما اضطرت شرائح فقيرة من النساء تحت ظروف الفقر والحياة القاسية التي أفرزتها الحروب المتتالية والاحتلال والتهجير القسري للعمل في مهن صعبة وتحت ظروف عمل قاسية.
ولا يقتصر وجود مساطر النساء على منطقة السدة بل امتد الى مناطق اخرى فقيرة في بغداد وبعض المحافظات الاخرى التي نشأت فيها ساحات في المناطق الفقيرة تتجمع فيها النساء الراغبات في العمل بالأعمال اليدوية الصعبة.
وتتجمع يوميا عشرات النساء في المسطر بين أرامل ومطلقات ومهجّرات وفتيات دون سن العشرين يفترشن ساحة المسطر في ساعة مبكرة من صباح كل يوم في انتظار من يأتي ليأخذهن إلى العمل ساعات النهار.
وتعمل بعض النساء مع متعهدين يقومون بايقاف سياراتهم عند مسطر النساء وانتقاء العاملات ونقلهن الى مواقع العمل في سيارات مكشوفة من نوع بيك آب تستخدم غالبيتها في نقل الحيوانات من القرى الى مجازر اللحوم.
وتقول ام عبود، وهي واحدة من المتعهدات لجمع النساء انها تقوم بجمع النساء وإرسالهن للمعامل ومخازن التمور والمزارع مقابل عمولة محددة من اصحاب العمل ، وتؤكد ان لعمل النساء مواسم محددة اذ غالبا ما تحصل جميع النساء في مساطر التشغيل على فرصة عمل في مواسم جني التمور والذرة والحنطة والشعير.
اما في الأيام الباردة فتضطر النساء للعمل في مخازن التمور لتنظيفها وتغليفها او في التحميل وإزالة الأنقاض من البيوت المشيدة حديثا، فيما يفضل بعضهن الخدمة في البيوت ممن هن بحاجة إلى مورد يومي للمعيشة ولا يستطعن العمل في الظروف الصعبة.
وتضيف “بعض النساء يخجلن من الخروج إلى المساطر رغم استعدادهن للعمل، فأتولى الاتصال بهن في البيوت للخروج مباشرة إلى موقع العمل”. وتؤكد المرأة التي دلت قسوة ملامحها على تمكنها من هذه المهنة التي تعمل بها منذ سنوات ان بعض النساء يتعرضن للتحرش الجنسي من قبل ارباب العمل فيضطررن الى ترك العمل والبحث عن فرص جديدة قد ينتظرنها اياما قبل ان تأتي.
وتعترف المنظمات النسوية بانتشار هذه الظاهرة وعجز الحكومة عن معالجتها بالشكل المطلوب سيما وان غالبية النساء العاملات في هذا المجال هن من الاميات اللواتي لا يجدن القراءة والكتابة الامر الذي يجعل توظيفهن امرا صعبا .
وتؤكد سميحة عبد الواحد رئيسة منظمة رعاية الارامل وهي من منظمات المجتمع المدني التي تهتم بشؤون المرأة الارملة ان غالبية النساء اللواتي يعملن في مساطر العمال لا يجدن اية مهنة يمكن ان يستفدن منها ولم يدخلن المدارس او تركن المدارس في سن مبكرة بسبب الوضع الاقتصادي للعائلة.
وتقول ان “هناك منظمات كثيرة تحاول ايجاد مشاريع لتعليم المهن للنساء العاملات في اعمال شاقة وتقديم المعونات المالية لهن للابتعاد عن العمل الشاق الذي يستنزف قواهن بشكل مبكر لكن انتشار الظاهرة أوسع بكثير من قدرة منظمات المجتمع المدني”.
وتضيف عبد الواحد أن غالبية النساء يعملن بين 8- 9 ساعات باجور تتراوح بين (10- 13 ) دولار يوميا، و أن معظمهن يصطحبن اطفالهن الذين يعملون بنصف الأجر ليحصلن على مبلغ اضافي، محذّرة من أن “مستقبلا داكنا ينتظر الاطفال أيضا إن لم تلتفت الحكومة للمشكلة”.
منقووووووووووووووووووووووول