شعــارنـــا: لا نصـــوّت دون إلغـــــاء 41

شعــارنـــا: لا نصـــوّت دون إلغـــــاء 41

سعاد الجزائري
لا يستطيع احد ان ينسى مشهد اسراب النساء وهن يفتتحن اول صباح للديمقراطية في عراق لم يشهد هذا النهج منذ عقود طويلة. توجهن فجر يوم (30) كانون الثاني عام 2005 الى صناديق الاقتراع متأملات ان الصوت الذي منحنه سيحقق آمالاً حلمن بها سنوات طويلة، ولم يكن أي منا يعرف اننا نصوت لديمقراطية معوقة، لانها وبكل بساطة بنيت على اسس المحاصصة الطائفية، وشيدت جدرانها واعمدتها على قواعد الفساد الاداري، الذي انتشر بسرعة لم يدع للديمقراطية حيزا صغيرا تستطيع ان تبدأ منه.

ولا يستطيع أي حزب او كتلة او طائفة ان تتنكر للفوز الذي حققته بفضل تصويت النساء ومشاركتهن الفاعلة في الانتخابات، لان الاهتمام المفاجىء للاحزاب والكتل بالنساء وقضاياهن، واشراكهن في الاجتماعات واللقاءات السياسية ووضع اسمائهن في مقدمة القوائم الانتخابية، ليس حبهن بقضية المرأة او بوجودها الى جانبهم في العملية السياسية، وانما هي عملية حسابية بسيطة، لان هذه الشريحة، التي باتت تشكل اكثر من نصف المجتمع، لا يمكن ان يتحقق الفوز الا بكسب صوتها، لذا تسابقت الاحزاب في تزيين قوائمها بأسماء نسائية، البعض منهن لا يعرفن حتى ما هو برنامج الحزب او المجموعة التي نسبت لها، وعلى الرغم من سوء النية في هذا الامر، الا انه حقق مكسبا ايجابيا للحركة النسائية، على اختلاف اهدافها وتوجهاتها، فبعد ان كان حضور المرأة في الاجتماعات غير شرعي ولا يجوز عند البعض، اصبحت كل الاحزاب والكتل تتسابق في ارسال عناصرها النسائية الى الخارج لكي تتدرب على مختلف الضروب السياسية، ابتداءً من كيفية التدريب على ان تكون قيادية، وانتهاء بأهمية تسيد المرأة في مواقع لم تشغلها من قبل.
وقد استطاعت الكثير من النساء العراقيات ان يحصلن على قدر ليس باليسير في اكتساب خبرات وتجارب من خلال اللقاءات والاجتماعات، او من خلال السفر المتواصل دون انقطاع للمشاركة في دورات وورش عمل، حتى ان البعض منهن لا تفرغ حقيبة سفرها، بل تبقيها جاهزة طوال العام، لانها تعود من دورة لتلتحق بورشة عمل، وتعود من الاخيرة، لتشارك في لقاء تداولي حول كيفية وضع حد لمشكلة الايتام أو الارامل، ،والتي لم تحل منذ ما قبل عام 2003، بل انها تتفاقم يوما بعد آخر رغم كثرة المنظمات والمؤسسات والدكاكين والصفقات والعقود والمصانع والمعاهد والكليات التي تخصصت بهذه القضية، لكن الارملة بقيت حتى يومنا هذا وحيدة، وتقف بطابور طويل امام مؤسسات الضمان الاجتماعي، الذي لا يهزه وقوفهن تحت اشعة الشمس الحارقة، او متحملات برد الشتاء القارس من اجل توفير لقمة عيش لاطفالها، ولكي لا يحرفها العوز عن المتاجرة بكرامتها، ولم تستطع الحركة او السكون ان يحل هذه المعضلة التي بدأت تفرز ظواهر اجتماعية ستترك آثارها على المجتمع العراقي لفترة طويلة، وسنشهد تأثيرها في السنوات المقبلة، بل بدأت بعض الظواهر خلال السنتين المنصرمتين تطفح فوق الفقاعات الهوائية، فأثارت زوبعة ادت الى إلغاء برنامج تلفزيوني على شاشة ال أم بي سي حينما أسيء الى سمعة المرأة العراقية كونها سلعة تباع في سوق النخاسة.
لكن هذا لا ينفي ان الحركة النسائية حققت الكثير من المنجزات سواء على صعيد الدستور او على صعيد اشراك المرأة في العملية السياسية، وفي تبوّؤ مراكز قيادية ايضا، لكن تلك الحركة وللاسف بقيت بعيدة عن الاماكن التي تحتاج الى تلك الحركة ونشاطاتها، لان اكثر الفعاليات والندوات والدورات تقام في المدن الرئيسية وليس الاطراف، مع ان نساء تلك المدن على دراية بحقوقهن، ويعرفن كيف يطالبن بها سواء عن طريق القانون، او بالنضال من اجل تطبيق القانون، بينما لا يعرفن نساء مدن وقرى الاطراف ما الذي تعنيه الحركة النسائية، وقد بدا ذلك جليا حينما اعدت احدى الزميلات الاعلاميات تقريرا بمناسبة يوم الثامن من آذار بعدما نصحتها ان لا تغطي نشاط المنظمات في العاصمة بل تذهب الى أي منطقة شعبية وتسأل النساء ما الذي يعنيه هذا اليوم، وفوجئت بأن كل الاجوبة كانت عبارة عن سؤال: (يعني شنو عيد المرأة؟) وهذا ابسط دليل على ان عملنا يجب ان يغير اتجاهه الجغرافي والطبقي، والمنهجي والشعاراتي..
اليوم تستعد كل القوى والاحزاب والكتل الى الانتخابات المقبلة، فما الذي ستعمله الحركة النسائية من اجل ان تقف بوجه كل من استغل صوت المرأة، التي لم تشعر بالخوف صباح (30) كانون الثاني 2005، بل كانت كفتاة الجسر تصدرت الجموع من اجل عراق تحلم به، فهل سنحفز النساء على المشاركة في التصويت مع اننا خسرنا اهم مكسب حققناه الا وهو قانون الاحوال الشخصية الذي اقر في القرن المنصرم، الذي بتنا نعتبر ايامه اكثر حضارية مما نشهده ونعيشه اليوم؟ وهل سنشترك في قوائم واحزاب لم تدافع عنا وعن حركتنا خلال مسيرة نضالها من اجل إلغاء المادة 41؟ ام ان هذه الاحزاب والكتل نست المرأة وحقوقها بمجرد ان فازت قائمتهم او كتلتهم، ولم يعد هذا الموضوع من اولويات برامجهم، لان الفوز قد تحقق، واصبحت المرأة في آخر سلم البرامج ان لم تكن فقرتها محذوفة في برامج البعض اصلا. تركوا المرأة التي صبغت اصبعها بالبنفسجي في ذلك الصباح مندهشة من وحدتها تنظر الى هذا الاصبع الذي بصم على الورقة، ولا تعرف ما الذي تقوله ازاء خديعة اشتركت فيها اكثر من جهة سياسية.
بل ان احزابا صنفت على انها ليبرالية، او علمانية (كما يسميها البعض) او يسارية حسب وصف جهات اخرى، لم تضع في أجندتها السياسية الدفاع عن الغاء هذه المادة، لان مصالحها السياسية استوجبت المقايضة على حساب المرأة، فكان التنازل عن موضوع الغاء المادة 41 اول تنازل مبدئي لها، ورغم (الارباح السياسية!) التي جنتها تلك الكتل والاحزاب بقيت المرأة بحركتها المستقلة هي الخاسر الوحيد في هذه المعركة التي لا تفرز في النهاية الا الموقف الداخلي او الحقيقي لهذا الحزب او ذاك وليس الشعار الطنان الذي رفعه في الانتخابات والذي دافع فيه بحرارة عن المرأة العراقية وحقوقها في عراق المستقبل. ان الحركة النسائية الحديثة الولادة في 2003 استطاعت بتظاهرة عفوية ان توقف القرار 137 الداعي ضمنيا الى الغاء قانون الاحوال الشخصية، والذي اصدره المرحوم السيد عبد العزيز الحكيم، عضو مجلس الحكم آنذاك، لكنها اليوم وبعد ان اشتد عودها، وتعلمت اساليب حديثة في العمل ومناهج حديثة في الدفاع عن حقوق المرأة، عجزت عن الغاء المادة 41، وهذا الخلل ليس مرده الضعف في تماسك الحركة النسائية وفي عدم توحيد خطابها، وانما لان الكثير من الاحزاب والكتل تخلت عن مبادىء اساسية في برامجها من اجل مقايضات سياسية، كانت المرأة وحقوقها اولها، كما ان التيار المؤيد لهذا القانون كان اضعف من التيار المعارض له، والسلطة في العراق لا تمارس وفقا للمعايير الديمقراطية، كما هو منصوص عليه في الدستور وفي الاجتماعات واللقاءات، وانما وفق معيار ان الاقوى هو المقرر والمؤثر، وجميعنا يعرف من هو الاقوى!
اذن حصيلة الامر، ما الذي علينا ان نقوم به لكي نكون حذرات في هذه الانتخابات، ربما علينا ان نرفع شعار: (لن نصوت دون الغاء المادة 41)، وليكن هذا شعارنا الوحيد، الذي استطيع ان اجزم انه سيرعب الاحزاب والكتل وستعيد النظر باولويات اجندتها السياسية، وستحول موضوع الدفاع عن قضية المرأة من شعار الى عمل وتطبيق فعلي.
لنضيق الخناق عليهم، ولنقايض مثلما قايضوا على قضيتنا، ولنطلب من نسائنا مقاطعة الانتخابات ان لم ترفع المادة المخلة ليس بحقوقنا وانما بحق المجتمع بأكمله، علينا ان نتعلم اللعبة السياسية السائدة حاليا، وليس وفق النية الصافية، الذي اتسمت به الحركة النسائية تاريخيا.

جريدة المدى صفحة اراء وفكار يوم السبت 29/اب/2009
للمزيد يمكنكم الاطلاع على الرابط

http://almadapaper.net/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=74723

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>