“الرمادي” غبار ونار
احمد العسافي
حال الرمادي اليوم ليس كحالها أمس, ولا غدها سوف يكون أحسن من اليوم, فالمدينة العريقة التأريخية التي اضاف اليها الفرات جمالاً ورونقاً ودبت فيها ينابيع الحياة وصنع اهلها بايديهم وجهدهم وجهادهم تاريخها عبر السنين وجعلوا منها مضافةً يمر بها المغادرون والداخلون الى الوطن.
أما اليوم فلايوجد فيها مايبعث على الامل ويبشر بخير بان القادم سوف يكون احسن من سابقه فقد تم افراغها من الوطنيين والامور تسير فيها حسب المصالح والخصوصيات وأبناؤها نراهم اليوم يتقاسمون الشهوات فقد نزعت عن اغلبهم الوطنية وكأن العراق لم يعد وطنا لهم بحيث بدانا نقارن مع الموجودين في الخارج حيث الاحساس بالوطنية لديهم عال جدا بسبب الغربة وبعدهم عن وطنهم وعن اهليهم واصدقائهم وعن طفولتهم بمارافقتها من ايام صبا وطيش شباب مرت عليه السنيون ليبقى محفورا في ذاكرتهم, فنراهم اجسادا في بلاد الغربة فقط فقلوبهم تنبض بالوطنية وعيونهم ترنوا صوب وطنهم وتحاول الدموع كسر السدود لتنهمر على الخدود تاركه آثارا تحكي قصة حب وشوق من تاليف القدر ولتكتب آلام بعدهم عن بلاد كانت يوما حصنا منيعا ومنارا للعلم والمعرفة وكانت قبلة الدنيا ويرتادها العلماء والمثقفون لينهلوا من علمها وادبها.
العراق اليوم تكسرت اضلاعه واصبح كطير جريح بدون اجنحه فابناء هذا الوطن اليوم لايستطيعون فعل أي شي ولا أن يعملوا الصح بسبب فرض الاخرين عليهم عمل الخطأ والمقلوب فالبيئة فاسدة وبانت الخيانة من الاصدقاء واصبح الاقرباء عملاء والسؤال المهم مالعمل؟
اصبح حال الناس اليوم كسنابل الحقل الفارغة التي اثر عليها التراب والغبار ولا تستطيع هذه السنابل مقاومة موجات الاتربة والغبار لانها فارغة من محتواها ولا يمكن لها ان تصمد فهذا حالها اليوم.
الرمادي تعرضت الى ارهاب من نوع ثان يختلف عما يطلقه المحتل من صفة للارهاب عندما يحاول تشوية المقاومة ويطلق عليها تلك الصفة وعلى كل من يخالفه بالراي ويناهضه, فالمشهد اليوم يتكرر, وقد شاهدناه سابقا عبر شاشات التلفاز حيث جرافات العدو الصهيوني تزيل بيوت اهلنا في فلسطين وتحاول طمس وتغيير جغرافية وتاريخ هذه المدينة, فلا يختلف حالنا اليوم عما شاهدناها ونشاهده يوميا في فلسطين فقد تكرر بالرمادي وغيرها من المدن العراقية, حيث ازيلت “التطبيقات” و”مدرسة الرسول العربي” والاسواق والبناء وغيرها الكثير حتى النخيل والشجر تمت ازالته بجرافات لاترحم وبنفس الحجج الواهية بانها كانت مصدراً للارهاب… بربكم من هو الارهابي الحقيقي الذي يزيل ويمحو التاريخ ويحاول ان يغير الجغرافية وذلك برسم خطوط جديدة ليكتب عليها يوما وليذكرنا دائما بانه موجود هنا! ماذا نقول نحن ابناء البلد وابناء هذه المدينة ونحن نرى ونشاهد بام اعيننا ما حصل ويحصل وكأن الامور لاتعنينا, اذن فمن هو الخاسر في الاخير؟
نحن ان لم نكن نعلم فسنكون أول الخاسرين واخرهم اذا بقينا على هذه الحال, فقد خسرنا كل شي منذ البداية عندما قبلنا على انفسنا ان نقف مكتوفي الايدي ولا نحرك ساكنا, وكأن لسان حالنا يقول اننا لسنا أبناء هذا الوطن المنتمين الحقيقيين ولا يربطنا به أي شيء سوى المكان, وبالامكان ان نغيره بحمل حقيبة وجواز سفر وفيزة من أي دولة كانت ولا ضير ان كانت هذه الدولة في يوم من الايام ولا تزال تعتاش على دمائنا ونحن لا يهمنا أي شي وانما نحمل لها الاموال التي حصلنا عليها بعمالتنا وببيعنا وطناً كان يوماً اسمه العراق.
فبدات جرافات الديمقراطية بجرف كل شي وكل معلم ودلالة تشيربان هنا كان تاريخ يكتب بحبر ويمتزج مع دماء أبنائه ليكون مناراً ينير طرق السالكين المطالبين بحقوقهم, فهم يريدون ان نقف على اطلال خراب فقط ونهمس في انفسنا ونقول كانت هنا حضارة!
وهم يريدون مدنية مفصلة على غرار مدنهم وابراجها التي لم يتجاوز عمرها القرنين, فحضارة وادي الرافدين تقضّ مضاجعهم وحين يشاهدون اثار بابل وأور ومسلة حمورابي فماذا يقولون لأنفسهم وكيف ستكون المقاييس.
إن الخراب والدمار لم يشمل الجدران فقط وانما شمل حتى النفوس, التي تغيرت هي الاخرى ونراها اليوم ليست تلك النفوس التي عرفناها أيام الزمن الجميل, فقد لعب واثر بها “السحر الاخضر” كثيراً واعمى بصيرتها واظلها عن جادة الحق والصواب وجعلها تسير في طريق الخراب والدمار.
المدينة اليوم اصبحت كالدمية بيد مجموعة من الفاسدين واللصوص يتلاعبون بها ونراها تتأرجح ولا تستطيع الثبات أمام الاعاصير فهؤلاء يسيطرون على زمام الامور ويمسكون بالدفة ويسيرونها بما تشتهي انفسهم, لكن هذا لايمنع بان هناك جانباً جيداً فيها لكنه مطمور ونائم ولا دور له واثر عليه كثيرا التراب والغبار وجعله فاقدا للحركة, فهو اليوم بحاجة الى المطر لكي يزيل عن كاهله الغبار ويعيد له حريته ليمارس دوره الايجابي.
لذا يجب ان يتوحد المجتمع وان لايكون تحت مظلة شخصية منحازة أو شخص يتصرف بها في نهاية الامر على هواه فيدمر كل شي بلحظة طيش او مساومة على مصالح شخصية ضيقة وان لايكون عرضة للتأرجح وعدم وضوع المكانه فالناس الجيدون واصحاب الكفاءات هم وحدهم القادرون على النهوض بها واعادتها من جديد لتنفض عنها الغبار الذي جلبته اليات وجرافات العدو وليباركها رب السماء بماء منهمر من عنده ليغسل بها ويمحو أدران النفوس والضمائر لكي تصحوا من جديد وتبدأ عهداً جديداً ولتكون نقطة في اول سطرتحكي صفحة جديدة من تاريخ هذه المدينة.. وليشرق اليوم الذي طال انتظاره, والذي اترقبه بكل مافي حواسي وجوانحي وغيرتي على مدينتي, مدينة التاريخ والفتح والحضارة والقيم والإرث النبيل.
