قياديات عراقيات يحكين عن أوضاع النساء

الحديث عن حقوق المرأة في العراق والدعوات الصادرة من ناشطات ومنظمات مجتمع مدني تصطدم بواقع مرير يكمن في ثقافة المجتمع الذي يرفض مساواة الرجل بالمرأة وعادات وتقاليد عشائرية تفرض نفسها إلى الآن، حتى في مراكز المدن.

ويظهر الواقع المرير للمرأة العراقية جليا من خلال حديث الوزيرة السابقة لشؤون المرأة الدكتورة نوال السامرائي بعد استقالتها من منصبها مؤخرا، والتي أكدت لـ “نقاش” بان السبب الرئيسي الذي دفعها لاتخاذ قرار الاستقالة “يكمن في عدم المقدرة على تقديم أية خدمة للنساء نتيجة التهميش الذي أحيط بعمل الوزارة كونها وزارة فخرية وليست حقيقة”.

وتقول السامرائي التي تنتمي لأحد الاحزاب الدينية لـ(نقاش): “حاولت بكل الطرق والوسائل أن أقوم بتفعيل دور الوزارة، وأقدم خدمة للنساء العراقيات الارامل والثكالى وضحايا الحروب واعمال العنف لكنني كنت اواجه عراقيل بيروقراطية تظهر أمامي كلما قدمت مقترح او مشروع وبرنامج عمل يمكن ان يساعد في معالجة جزئية لمعانة المرأة العراقية”، مؤكدة بان استقالتها من منصبها لن يمنعها من العمل في مجال الناشطات النسويات في محاولة للضغط باتجاه استحصال حقوق المرأة “المهدورة”.

وبسؤالها عن تقييمها لأوضاع النساء العراقيات خلال فترة ما بعد عام 2003 ، قالت السامرائي وهي طبيبة نسائية وام لخمسة ابناء “الأوضاع التي تعيشها المرأة في العراق لا تليق بمكانتها أبدا خصوصا في المعتقلات والسجون، ومن حق النساء أن يحصلن على حقوقهن وهن يشكلن 60% من المجتمع”.

بعثة الامم المتحدة العاملة في العراق (يونامي) أكدت في تقريرها الأخير عن حالة حقوق الانسان في العراق بان المراة العراقية تعيش في ظل أوضاع معقّدة للغاية نتيجة لعوامل عديدة منها النظام المستبد الذي دام قرابة الثلاثين عاما، والحروب المستمرة التي خاضها العراق، والحصار الإقتصادي الدولي الذي دام زهاء 13 عاماً وتأثيره الخطير على النساء والأطفال باعتبارهم جماعات مهمشة، فضلا عن انعدام الاستتباب الأمني وانتشار الفوضى وتواجد القوات العسكرية داخل المدن خلال الفترة الماضية.

تقرير المنظمة الدولية كشف أيضا عن جملة من المخاطر التي تواجهها النسوة العراقيات نتيجة لما مر عليهن من ظروف قاهرة، تتلخص بزيادة العنف الموجه لهن، الأسري منه والسياسي، وزيادة انتشار ظاهرة ما يُسمّى بجرائم الشرف، وتعرضهن للاختطاف لدوافع إجرامية أو سياسية، وازدهار اتجارة الجنس المرتبطة بالنساء والأطفال ، وزيادة نسبة الزواج المبكّر، وانتشار البغاء، اضافة الى زيادة تنذر بالخطر في مستويات الفقر التي تؤثر سلباً على حياة النساء حسب ما ورد في التقرير.

وعلى الرغم من التقدم الطفيف الذي أحرزته المرأة لجهة المشاركة السياسية، عبر مشاركتها في الحكومة وحصولها على ربع مقاعد البرلمان والمجالس المحلية وفق نظام (الكوتا)، إلا أن القرار السياسي بدا متمركزا في يد قيادات الأحزاب. وتؤكد النائبة المستقلة صفية السهيل بان “مشاركة المرأة في العملية السياسية تعتبر مشاركة كبيرة بالمقارنة مع دول اخرى في المنطقة العربية من ناحية العدد، الا أن ما تحقق لغاية الان من انجازات للمرأة لا تلبي الطموح وذلك في ظل ابتعادها عن القرار السياسي وغيابها عن المناصب القيادية الحقيقية للدولة”.

وحول العوائق التي تعيق عمل المرأة البرلمانية او السياسية في العراق من ممارسة عملها، قالت” هناك جملة من العوائق التي تقف حائلا امام عملها ونشاطها أبرزها الشعارات والبرامج التي تحملها بعض القوى السياسية والتي تتعارض مع حقوق المرأة، والخبرة التي تفتقد إليها بعض السياسيات العراقيات المعينات من أحزاب، وثقافة المجتمع الذكوري السائدة في العراق كغيره من المجتمعات العربية والاقليمية وحتى الدولية، فضلا عن العادات والتقاليد التي نشأ عليها المجتمع”.

ورغم كل هذه الظروف، ترى السهيل “ان النائبات أثبتن أنهن اكثر شجاعة من الرجل في تشخيص المشكلة وطلب وضع الحلول وميولهن للسلام وهن يشكلن العمود الفقري للمجتمع ولاي مشروع يخدم مصلحة البلاد وهو ما يتطلب وجود قيادات سياسية نسوية مستقبلا”.

وتكشف صفية السهيل النائبة في البرلمان العراقي، عن حالة التراجع والتأخير في الحريات العامة للعراقيين خلال فترة العنف الطائفي الذي ضرب البلاد بلا هوادة قبل ثلاث سنوات، مشيرة الى ان “الظروف الامنية واعمال العنف الطائفي الذي حدثت في العراق خلال السنوات الماضية ادى الى تأخر وتراجع في الحريات العامة لجميع العراقيين لكن بنسبة اكبر بحق المرأة حيث دفعت ثمنا باهظا في قضايا التعبير وحرية الراي وغيرها الامور التي قيدت حركتها”.

كلام النائبة صفية السهيل عن دورة المراة في العمل السياسي اكدته زميلتها في البرلمان النائبة ميسون الدملوجي التي قالت “باعتقادي المرأة البرلمانية أدت دورا اكبر من نظيرها الرجل، فقد كانت اكثر حضورا وعطاء في جميع اللجان رغم تغييبها عن المواقع والمناصب السيادية”، مؤكدة بان وجود النساء في مجلس النواب اضاف الكثيرمن الجدية والعمل داخل اروقته.

وعن معوقات العمل السياسي والبرلماني الذي يواجه النساء في العراق، اجابت: “المشكلة وجود شعور بان المراة تاخذ مكان الرجل وهو كلام غيرصحيح، لذلك كانت دعواتنا وستستمر من اجل تطبيق ما جاء في الدستور لمنع التمميز على اساس الجنس وجعل المواطنة اساس كل شيء”، مؤكدة بان عملهن كبرلمانيات سوف يستمر من دون توقف حتى تحصل كافة النساء العراقيات بمختلف خلفياتهن وتوجهاتهن على حقوقهن بشكل كامل.

واضافت الدملوجي: “هناك بعض البنود والفقرات والتعليمات التي تحملها القوانين المشرعة سابقا او تلك التي يتم تشريعها حاليا تسيء للمراة وتقيد من انسانيتها ومواطنتها العراقية كما هو الحال مع بعض مواد قانون العقوبات العراقي، والقرار الذي صدر من مديرية الجوازات بمطالبة المرأة غير المتزوجة موافقة محرم لاصدار جواز سفر وهو ما يعارضه الدستور”، مطالبة بإجراء تعديلات واسعة على القوانين العراقية فيما يضمن تحقيق المواطنة الكاملة للمراة.

واوضحت بان بعض فقرات قانون الاحوال الشخصية التي تتعارض مع حرية المرأة وحقوقها المدنية لاتزال موضع خلاف ولم يتم حسمها لغاية الان، مؤكدة وجود حقوق مهدورة للمراة العراقية بعضها موروث من قبل الانظمة السابقة التي تعاقبت على حكم البلاد .

الامر لم يختلف كثيرا مع النائبات اللائي ينتمين للكتل والأحزاب الدينية، حيث ترى بشرى الكناني النائبة في البرلمان عن كتلة الفضيلة الإسلامية، بان نشاط المراة وعملها في البرلمان يفوق نشاط نظيرها الرجل كما هو الحال في العديد من المؤسسات والدوائر الحكومية التي تشكل فيها النساء غالبية على حساب الرجال .

وتوضح الكناني لـ(نقاش): بأن “عملية اختيار المرشحين للمناصب التنفيذية في جميع مفاصل الدولة تخضع لاعتبارات معينة مما يؤدي الى عدم اختيار المراة لشغل تلك المناصب، وهو نابع من النظرة الدنيا التي ينظر بها الى النساء من قبل بعض السياسيين”.

وحول ما يتردد على لسان منظمات حقوقية بان الاحزاب الدينية ادت إلى تراجع في حقوق المرأة وتقييد من حركتها داخل المجتمع والمعترك السياسي، اجابت”على العكس تماما فغالبية الاحزاب الاسلامية وكتلة الفضيلة من بينها تمنح النساء من اعضائها الحرية الكاملة في التعبير عن الراي والمشاركة الحقيقية في كافة النشاطات ويتم الاخذ بمقترحاتنا في الكثير من الاحيان، بعد الاشادة بها من قبل قيادات احزابنا”.

الحديث مع النائبات العراقيات بمختلف توجهاتهن وخلفياتهن الحزبية والمذهبية يبرز شبه اجماع او توافق نسائي على ان هناك العديد من الحقوق الدستورية التي تطالب بها المرأة لاتزال حبرا على ورق، و أن العمل جاري من قبل التجمعات والمنظمات النسوية لتحويلها الى واقع ملموس، لكن جميع القياديات يبدون متفقين على ان الامر يحتاج لوقت ليس بالقليل.

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>