Friday, 30 of July of 2010

مشروع قانون المنظمات غير الحكومية: إجازة عمل أم حرية إلغاء؟

د. كفاح محمد مهدي الجواهري
تعتبر المنظمات غير الحكومية أحد الأركان الرئيسية للدولة في البلدان الديمقراطية المتقدمة، وتمثل الركن
الشعبي في الدولة، الذي يعبر عن احتياجات المواطن والمجتمع، ويرصد ويراقب عمل مؤسسات الدولة
الثلاثة: التشريعية والتنفيذية والقضائية، داعماً الاجراءات الإيجابية لصالح المواطن والمجتمع، منتقداً
الإجراءات السلبية الضارة، بما فيها القوانين والتشريعات. إلى جانب ذلك، تقوم هذه المنظمات بالمساهمة
الفعلية بتطوير وبناء المجتمع، من خلال النشاطات والفعاليات التي تقوم بها، سواء في مجال تطوير الوعي
الاجتماعي، أو في مجال تقديم الخدمات الثقافية والتربوية والصحية، والمساعدات المتنوعة للمحتاجين من
فئات الشعب المسحوقة.
ووفق ذلك، من المغالطة غير المنطقية أن تكون ضمن تشكيلة السلطة التنفيذية وزارة “المجتمع المدني”. ومن
المغالطة غير المنطقية الأكبر أن تكون هذه المؤسسات أو المنظمات خاضعة للسلطة التنفيذية من خلال هذه
الوزارة أو غيرها من التسميات.
لماذا أقر عدم خضوع وتبعية “مفوضية الانتخابات” لوزارة الداخلية أو العدل؟ ولماذا أقر عدم خضوع وتبعية
“مفوضية النزاهة” لوزارة العدل أو المالية؟ ولماذا لم يستحدث منصب وزير الانتخابات أو وزير النزاهة؟ في
الوقت الذي تستحدث فيه وزارة “المجتمع المدني؟ التي هي بالأساس منظمات غير حكومية ، الأمر الذي يثبته
مشروع القانون المقترح نفسه.
إن مشروع القانون المقدم من وزارة المجتمع المدني ملىء بالتناقضات، حيث أنه في الوقت الذي يع  رف في
مادته الأولى المنظمات غير الحكومية بأنها كيانات طبيعية أو معنوية مستقلة، (كما يضمن الدستور في المادة
45 الحق في تأسيسها وتعزيز دورها ودعمها وتطويرها واستقلاليتها، بما ينسجم مع الوسائل السلمية لتحقيق
( الأهداف المشروعة لها) يتعامل معها في مواده ( 7 و 8 و 10 و 11 و 12 و 15 و 23 و 24 و 25 و 27
وكأنها احدى مديريات الوزارة، فللوزير الحق في:
- التدخل بصياغة نظامها الداخلي
- برفض منح المنظمة إجازة التأسيس، والاعتراض لدى محكمة القضاء الإداري يؤكد هذا المعنى.
- فرض عضوية أي شخص على المنظمة.
- إلغاء انتخابات الهيئة الإدارية للمنظمة.
2
- إلغاء أي قرار للهيئة العامة للمنظمة أو لهيئتها الإدارية أو رئيس المنظمة.
- تعيين رئيساً أو هيئة إدارية مؤقتة للمنظمة.
- هو صاحب القرار بالتمويل المالي والصرف، أي المتحكم المباشر بمالية المنظمة.
في الواقع ان المديريات التابعة لهذه الوزارة، أو لأي وزارة أخرى، لديها صلاحيات أوسع بكثير مما تكرمت
الوزارة منحه للمنظمات غير الحكومية. وأتساءل: ماذا تبقى من صلاحيات وحرية عمل لهذه المنظمات
وهيئاتها القيادية؟
ثانياً: لا أفهم لماذا تطلب الوةزارة من المنظمات تقديم نظامها الداخلي، وقد تكرمت هي بوضع نظام داخلي
؟ واحد لجميع المنظمات في مشروع قرارها من المادة 13 وحتى المادة 32
ثالثاً: وفق هذا المشروع لا يتم منح إجازة التأسيس إلا بعد استكمال جميع الشروط القانونية التي يحددها.
فكيف يمكن أن يكون فتح الفرع مخالفاً للقانون لكي يعطي الحق للمحافظ برفض طلب فتح الفرع لمنظمة
قانونية!
رابعاً: مفهوم النظام العام والأداب مفهوم مائع، أي يشبه الغاز أو السائل الذي يتخذ شكل الإناء الذي يوضع
فيه. فالبعض يعتبر التخلص من الشعر الزائد على الوجنتين خروجاً عن النظام والآداب ويستوجب القتل،
والبعض الآخر يعتبر سماع الأغاني والموسيقى خروجاً عن ذلك، والثالث يعتبر الاختلاط خروجاً على ذلك،
فأيهم سيطبق على المنظمات غير الحكومية؟
خامساً: من أبرز الجوانب الإيجابية في نشاط المنظمات غير الحكومية هو التعاون الدولي مع المنظمات
الإنسانية (غير الحكومية) العالمية المعترف بها في جميع الدول، التي تحظى بتقدير عالي من المؤسسات
الدولية، والتي تقدم مساعداتها للشعوب المنكوبة من خلال المنظمات غير الحكومية حصراً، لضمان وصولها
إلى افئات والشرائح المتضررة. علماً ان هذه المنظمات لا تقدم المساعدات والدعم إلا لمنظمات غير حكومية
تثق بمصداقيتها، وفي ضوء المشاريع المقترحة مرفقة بأدق تفاصيل المشروع وكلفته. ولا تترك مشروعاً
دون إشراف عليه عند التنفيذ.
إننا نعتقد ان مشروع القانون لو كان حقاً حريصاً على حسن أداء المنظمات غير الحكومية العراقية لاشترط
أن تقدم المنظمة الدولية المانحة تقييمها لعمل المنظمة العراقية، وليس منع المنظمات من التعاون والتشبيك مع
dsc079511
المنظمات الدولية (م. 14 ) ان استخدام النموذج المصري في هذا المجال يؤكد أن هدف المشروع هو لوضع
العراقيل أمام منظمات المجتمع المدني لمنعها من العمل وليس لتحسين أدائها.
وفي هذا الصدد نتساءل: هل ستبادر وزارة المجتمع المدني – ما دامت تعتقد أن ذلك سيحافظ على سلامة
البلد ووطنية المنظمة- بالاقتراح بمنع الجامعات العراقية من المشاركة في اتحاد الجامعات العربية، ونقابة
المهندسين من المشاركة في اتحاد المهندسين العرب؟
سادساً: من الواضح ان الوزارة، أو على الأقل واضعي مقترح المشروع غير عالمين بطبيعة عمل المنظمات
غير الحكومية وآليته وهيكليتها. ومن الواضح أنهم يخلطون بين المنظمات الإنسانية غير الحكومية والمنظمات
الجماهيرية، عندما يفترضون أن على المنظمة قبول أي شخص يرغب بالانتماء إليها، بل ويمنحون الوزير
.( حق فرض هذا الشخص أو ذاك على المنظمة (م. 15
سابعاً: ان المادة 27 من المشروع تؤكد أيضاً إلغاء استقلالية المنظمة وعرقلة عملها، بل وجعله مستحيلاً.
فهل من المنطق السليم ان المنظمة لا تستطيع استلام تبرع من مواطن غيور بمبلغ ألف دينار فقط، على سبيل
المثال، إلا بعد أن تفاتح الوزارة للحصول على موافقة السيد الوزير بذلك؟ وهل يعقل أن تطلب المنظمة
موافقة السيد الوزير لكي تستطيع تحويل مبلغ مائة أو مائتي دولار لشخص تعرفه لشراء قطعة غيار لجهاز
عاطل لديها غير متوفرة في العراق؟
للأسف ان هذا القانون لا يمثل مشروعاً لتنظيم عمل المنظمات غير الحكومية، وإنما مشروعاً لغلق هذه
المنظمات دون استثناء، وشطب هذا المفهوم من القاموس العراقي


Leave a comment