جمال الجواهري – جمعية الامل العراقية
Jamal.j@iraqi-alamal.org
بعد سقوط النظام السابق مباشرة ، ظهرت الى الوجود العديد من منظمات المجتمع المدني في سائر انحاء العراق ، كواقع موضوعي ، ونتيجة للرغبة في المشاركة العامة كجزء من استعادة حرية العمل بشكل مستقل والدافع في اختيار النظام السياسي الجديد والمساهمة في معالجة التدهور في الوضع الانساني واعادة الاعمار .
ومنذ الاسابيع الاولى ، عملت المنظمات الحديثة التكوين في نشاطات الطواريء والاغاثة بتقديم المساعدات الخيرية والانسانية للمتضررين والنازحين ، وفي توفير بعض الخدمات الصحية ومشاريع المياه والتعليم ، في ظروف لم تكن للمؤسسات الحكومية القدرة والامكانية على توفيرها ، وخاصة في المناطق المهملة البعيدة عن مراكز المدن ، وكذلك في المناطق التي شهدت عمليات مسلحة ، نجم عنها فقدان المستلزمات الاساسية للعيش الانساني ، وعمل البعض الاخر من هذه المنظمات في التركيز على التوعية بحقوق الانسان ، والمرأة والطفل ، ودعم العملية السياسية بكل مراحلها ( وبالاخص الانتخابات وكتابة الدستور) ، من خلال التوجه بخطابها ونشاطها الى شرائح واسعة من المجتمع العراقي ببرامج توعية وتثقيف بمفاهيم الديمقراطية واهمية مشاركة المواطنين في رسم مستقبل بلدهم .
وعلى الرغم من المعوقات العديدة التي واجهت وتواجه نشاط هذه المنظمات وهي تتصدى للواقع الاليم ،في ظروف تدهور الوضع الامني وغياب الدعم المادي والمعنوي لها ، فقد استطاعت بناء قدراتها الذاتية واقامة علاقات مجتمعية واسعة ، وعلاقة تعاون مع مختلف الاجهزة الحكومية ، والمنظمات الدولية بما فيها وكالات الامم المتحدة .
وهنا لابد من ذكر مخاطر التي تعرض لها العاملون في هذه المنظمات من قتل او اختطاف او اعتقال او تهديد اوتشويه واساءة لسمعتهم ، بغية الحد من نشاطهم وتأثيرهم في عملية ارساء الديمقراطية وبناء دولة سيادة القانون والعدالة .
ومع استمرار نشاط المنظمات ، فاننا نسعى للعمل مع السلطات الحكومية المختلفة ، لايجاد الالية المناسبة لتحقيق اهدافها ، قائمة على أسس الشفافية وحق الوصول للمعلومات ، والشراكة في صياغة السياسات العامة للدولة وفي تنفيذها وتقييمها والوصول الى مفهوم الحكم بالمشاركة ، الذي يشكل نهجا لدمج المواطنين قي جميع مستويات ادارة الحكم( التشريعية والتنفيذية) من اجل ضمن اشراكهم في عملية صنع القرار ، بما يضمن حرية واستقلالية عمل المنظمات التي كفلها الدستور العراقي ، وتقديم اجهزة الدولة التسهيلات اللازمة لعملها ودعمها ماديا وفق معايير معلنة ، وهذا لاينفي مساءلتها ومحاسبتها وفق القانون . لا ان تنظر الحكومة للمنظمات كمقدمي خدمات او هيئات مكملة لدورها فقط.

وايضا فان المشاركة في صياغة السياسة العامة تعني فتح المجال واسعا لكل الاطراف (المجتمع المدني والقطاع الخاص والاتحادات المهنية وجميع القوى السياسية الاخرى من داخل وخارج مجلس النواب ) في اعادة صياغة الدستور والقوانين الاخرى ، بما يؤمن حمايته والحرص على تنفيذه .
وهنا نشير وبشكل ايجابي على موافقة مجلس الوزراء على العهد الدولي مع العراق،والذي يدعو الى اشراك المنظمات لحشد رأس المال الاجتماعي العراقي في عملية التنمية وبناء الاجماع فيما يتعلق بالاصلاحات الاقتصادية، وضمان توفر دور استشاري للمنظمات في عمليات سن القوانين ووضع السياسات والامور الادارية، ووضع منهج شامل للشفافية يشتمل على حرية الوصول الى المعلومات من اجل سن القوانين والزام الموظفين الرسميين والمؤسسات بالكشف عنها للجمهور
وبناءا على ما تقدم فان المنظمات غير الحكومية العاملة في العراق، انطلاقا من حرصها على ممارسة مسؤوليتها بشفافية ومصداقية ، تحترم في الوقت نفسه مبدأ المساءلة والمحاسبة من كل الجهات ذات العلاقة ، سواء في ادارتها الداخلية ، واما المستفيدين والمجتمع وامام القانون والاجهزة الحكومية ، والجهات الدولية المانحة .
وفي محاولة لوضع اطار قانوني ينظم العلاقة بين الحكومة والمنظمات غير الحكومية والمجتمع اصدر الحاكم الاداري لسلطة الائتلاف الامر الاداري المرقم 45 في تشرين الثاني 2003 الذي لايزال ساري المفعول ، استهدف تنظيم اجراءات تسجيل المنظمات غير الحكومية ومتابعة نشاطها ، وفي الواقع فان القانون قد ركز اساسا على القضايا الامنية وتمت صياغته تحت تأثير احداث 11 ايلول 2001، ولم يسهل او يشجع على تطوير المجتمع المدني العراقي ، وخول القانون وزارة التخطيط للقيام باجراءات تسجيل جميع المنظمات ، وبعدها تخويل امانة مجلس الوزراء للقيام بهذه المهمة التي اوكلت الى وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني للاشراف على مركز تسجيل ومساعدة المنظمات غير الحكومية .
ومما يؤسف له ماحدث في الفترة الماضية من ممارسات تعسفية من قبل بعض الاجهزة الحكومية المعنية بشؤون المنظمات غير الحكومية ، متجاوزة لحدود صلاحياتها ، وفي عدم فهم لطبيعة عمل واهداف هذه المنظمات ، ، كما جرى من تجميد لارصدتها في البنوك دون وجه حق ، وانتهاك استقلاليتها والتدخل في شؤونها الداخلية.
بادرت جمعية الامل العراقية ، ومنذ اواخر 2004 باثارة نقاش واسع حول الاطار القانوني للمنظمات ، بدءا من ورشة عراقية – عربية تم تنظيمها في بيروت ديسمبر 2004 لغرض الاستفادة من تجربة البلدان العربية في هذا المجال ، واتبعها الترويج للمسودة التي تبنتها UNOPS في منتدى المنظمات غير الحكومية العراقية بغداد- آب 2005 ، ومن ثم المساهمة في تشكيل مبادرة حرية المنظمات غير الحكومية في العراق ، بمشاركة 61 شخصية يمثلون منظمات وشبكات غير حكومية من مختلف انحاء العراق، والتي كانت تهدف للوصول الى افكار لمسودة قانون ينظم العلاقة بين المنظمات والحكومة ومسببات اعداد هذا القانون بما يمنحها الحرية والاستقلالية في العمل والاداء والافضل ، وكذلك انجاز وترجمة وطباعة كتاب ( دليل القوانين المؤثرة في منظمات المجتمع المدني ).
ان العلاقة بين الحكومة والمنظمات غير الحكومية يفترض ان تستند الى
- شرعية تأسيس المنظمات وضمان استمرار عملها .
- حرية واستقلالية عمل المنظمات .
- ضمان شفافية ومسائلة ومحاسبة المنظمات .
الشرعية والاستقلالية هي عناصر اساسية وهامة للمجتمع المدني العراقي ويجب النظر اليها باعتبارها حقوق طبيعية ، بينما يجب النظر الى المسائلة والمحاسبة والشفافية باعتبارها مسؤولية اساسية يجب الاضطلاع بها من قبل هذه المنظمات وهي حق طبيعي للدولة في اطار سيادة القانون .
وحق التأسيس يتعلق بحق المواطن بالتجمع وحقهم بالانضمام الى جماعات وروابط مدنية ، وهذا حق كفله الدستور العراقي والقوانين والمواثيق الدولية . والاستقلالية تعني الحق ببلورة اهداف واستراتيجية ونشاطات بناءًا على مصالح واحتياجات واولويات مرجعياتها . وليس فقط تكميل ماتعجز ان تقوم به الدولة ، والاستقلالية تعني ايضا الاستقلال التنظيمي عن الدولة . والحكومة مسائلة امام مواطنيها ويجب ان تقدم لهم البيانات والتقارير الصحيحة ، والمجتمع المدني هو مسائل ايضا امام اعضاء هذه المنظمات والمجتمع والدولة .
ومنظمات المجتمع المدني اذ تتطلع الى مشاركة حقيقية في صياغة قانون جديد ينظم علاقتها بالدولة من جهة ، وبالمجتمع من جهة ثانية، على اساس دعم سيادة القانون واشاعة ثقافة حقوق الانسان والحريات العامة ، فان هذه المنظمات تود ان تلفت انتباه صانعي القرار والمشرعين في الدولة ، والقادة السياسيين والرأي العام الى بعض الاسس والمباديء التي ينبغي احترامها ، واخذها بعين الاعتبار عند تشريع هذا القانون :
- احترام مبدأ حرية المنظمات غير الحكومية وحرية تنظيمها ، فلكل شخص طبيعي ومعنوي الحق في المشاركة في تأسيس وادارة المنظمات غير الحكومية ، والانتساب اليها ، والانسحاب منها بحرية، ووضع انظمتها الداخلية بحرية وتعديلها ..وهذا ما ورد في الدستور العراقي بشأن الحريات العامة ، حيث كفل حرية التعبير عن الرأي والعقيدة والعبادة ، وتأسيس الجمعيات والاحزاب السياسية، واكد على ضرورة تعزيز دور مؤسات المجتمع المدني ، ودعم الدولة لها من اجل تطويرها واحترام استقلاليتها .
- الحق في التأسيس دون الحاجة الى ترخيص او أذن مسبق ، واعطاء الشخصية المعنوية للمنظمة بمجرد الاخطار ، وأن لاتضع اجراءات تسجيل هذه المنظمات عوائق ادارية امام التأسيس والنشاط.
- ادارة المنظمة غير الحكومية تكون بواسطة هيئاتها المنصوص عليها في انظمتها الخاصة ، ولا يحق لاية جهة اخرى التدخل في عملية تسيير اجتماعاتها ، او انتخاباته او التأثير عليها .
- للمنظمات غير الحكومية الحق في تملك الاموال المنقولة وغير المنقولة ، وفي تنمية مواردها المتأتية من رسوم وتبرعات اعضائها وقبول الهبات والمنح والمساعدات غير المشروطة ، من اي شخص طبيعي او معنوي ، محلي او خارجي ، مع ضرورة الاعلان عن مصادر هذا التمويل واوجه انفاقه .
- شمول المنظمات غير الحكومية بالاعفاء الضريبي ومن الرسوم الجمركية ، وتشجيع المانحين والمتبرعين لها عبر خصم قيمة مايتبرعون به من وعائهم الضريبي بنسب مقبولة.
- حرية عمل المنظمات غير الحكومية لايبرر غياب مبدأ الشفافية والمساءلة على انشطتها ، من خلال اعضائها والرأي العام ، والرقابة على تصريف شؤونها المالية من قبل ديوان الرقابة المالية والجهات المانحة .
- الاقرار بحرية تكوين شبكات المنظمات غير الحمكومية ، التي تستهدف تنسيق العمل والبرامج المشتركة بينها . وكذلك حرية الانضمام الى الاتحادات النوعية الوطنية والاقليمية والدولية ، ولايجوز تقييدها لا لدواعي المصلحة العامة وبحكم قضائي .
- وتحل المنظمات غير الحكومية اما بارادة هيئاتها الخاصة وفقا لنظامها الداخلي ، او بحكم قضائي نهائي بات .
كما ان آلية تسجيل المنظمات يجب ان تنطلق من القانون وواضحة ومعلنة وغير قابلة للتأويل والصلاحيات وشفافة .
وان الحديث عن استغلال المنظمات كغطاء للنشاطات الارهابية والفساد المالي ، فهي لاتستثني من مجمل الواقع العراقي سواء على صعيد الاجهزة الحكومية والقطاعات المجتمعية الاخرى ، وتحجيم هذه الظواهر السلبية يحتاج الى سياسة متوازنة طويلة الامد،تتجه نحو ارساء قواعد القانون واصلاح مؤسسات تنفيذ القانون، وتأهيل السلطة القضائية ومؤسسات الرقابة الادارية والمالية . كما يحتاج الامر الى إعادة النظر بمفهوم دور الدولة ومهامها، بعيداً عن مفاهيم الانظمة الشمولية في مصادرة الحريات العامة وانتهاك حقوق الانسان .
وفي الختام ، نتمنى ان تتطور جهودنا المشتركة مع مؤسسات الدولة المختلفة والتي اخذت اشكالا مختلفة ، لتعزيز سيادة القانون والعدالة واحترام حقوق الانسان واستكمال السيادة الوطنية، والعمل المشترك من اجل السلام والديمقراطية واعادة الاعمار والتنمية .

