العباية) العراقية تصارع المجتمع العراقي و(ام العباية) متهمة)!

tamerah
بقلم : كلنار صالح
لا خلاف في ان العباءة هي الزي والحجاب المميز للمرأة العراقية وانه كان سائدا بشكل كبير حتى مطلع التسعينات من القرن الماضي حيث اخذت العباءة الخليجية بالانتشار فاتخذتها اعداد كبيرة من النساء العراقيات بديلا للعباءة العراقية، وبصورة عامة اتجهت المرأة العراقية الى ترك ارتداء العباءة التقليدية كحجاب واتجهت الى ازياء اخرى مثل” الجبًة” التي كانت متهمة في وقت ما بانها زي حركة الاخوان المسلمين وها نحن نرى الان انتشار بديل اخر للعباءة وهو الشادُر( الجادر) الايراني بين اوساط الشابات العراقيات المحجبات، ويرى البعض في هذا غزو ثقافي اعتمادا على ان للازياء ” سلوكيات خاصة وتأثيرات نفسية تؤثر بمن يرتديها” ومع ان هذا قد يكون صحيحا بصورة عامة لكنه بكل تأكيد يتغافل عن كون الازياء انما تحوز على شعبيتها ومقبوليتها من نظرة المجتمع الى مرتديها خصوصا في مجتمع مثل المجتمع العراقي وقديماً قالوا” اكل ما يعجبك والبس ما يعجب الناس”ولا اعتقد ان احدا يستطيع الاستمرار لزمن طويل في ارتداء زي يقلل من شأنه او احترامه بين الناس الا اذا كان غير عاقل او متهور! ..مع هذا علينا ان نتساءل اولا لماذا تراجعت العباءة العراقية امام العباءة الخليجية والجبّة واخيرا الشادُر؟ وهل ان هذا هو جزء من التطور الذي يطرأ على ازياء اي مجتمع ؟
نلاحظ اولا انه عندما يجري الحديث عن العباءة العراقية خصوصا من قبل الرجال، نجدهم يتسابقون الى امتداحها باعتبارها حجاب امهاتنا وخالاتنا وانها زي عراقي اصيل تغزل الشعراء بمرتديته ووصوفها بذات الجمال الذي تلقي العباءة عليه نوع من السحر والغموض .. لكن هل هذه هي بالفعل نظرة المجتمع الان للعباءة ومرتديتها؟؟ الواقع يقول ان المجتمع الان وعلى رأسه الرجل لا يحترم المرأة التي ترتدي العباءة وان ” ام العباية” في نظره هي المرأة الجاهلة, السوقية, المتخلفة او من ذوات الفقر والعوز، ان هذا الاستنتاج متأتي من تجربة وليس صحيحا ان المرأة العراقية صارت تهجر العباءة بسبب ثمنها المرتفع فقط او وزنها الثقيل على الرأس ولكن لاحساسها بالنظرة والطريقة المختلفة التي يتم بها معاملة “ام العباية “، وهنا يمكن اسوق عشرات الامثلة شهدتها بنفسي للطريقة التي تعامل بها مرتدية العباءة منها اني كنت ذات مرة ارتدي العباءة ووقفت لاشتري منتج ما فحاول البائع “وهو ابو جمبر” ان يقنعني انه الماني اصلي مشيرا الى الكتابة الاجنبية عليه”شوفي مو هاي كتابة اجنبية” مقتنعا مع نفسه اني امرأة جاهلة لا يمكن ان اكتشف كذبة !
وفي حادثة اخرى كنت في محل ملابس نسائية في منطقة راقية وكان مزدحما بالنساء وبينما كنا نشتري طلب البائع من امرأة سافرة وبملابس عادية كانت تريد الخروج من المحل ،طلب منها ان تكشف عن محتويات حقيبتها فرضخت تحت الحاح صاحب المحل ونظرات النساء اللاتي جذب انتباههن الموقف ففتحها فاخرج منها قطعة ملابس دستها في حقيبتها اثناء الزحام لم تدفع ثمنها ، وبعد ان خرجت المرأة علقت اخرى بتعجب وذهول” شكلها ما يدل على انها سارقة فهي كشخة لو ام عباية كان صدقت”!!.. المجتمع لا يصدق ان امرأة عادية لاترتدي العباءة يمكن ان تسرق لكنه لا يشك في ان ” ام العباية” ستكون المتهمة حتى وان لم تكن متواجدة في مكان السرقة لحظة وقوعها، ولهذا تجد ان مرتدية العباءة تتعرض للشكوك وحتى للتفتيش في بعض الامكان اكثر من اي اخرى ترتدي ملابس عادية .
هذه نظرة المجتمع لام العباية التي تغزل بها الشعراء والمطربين ولو كان المجتمع يحترمها لما بدلت العراقية العباءة بازياء اخرى مثل الشادر الايراني وهنا يجب ان نلاحظ ان العراقيين لا ينظرون للايرانيات مرتديات الشادر نفس نظرتهم للعراقية ام العباية بل يعتبرون زيها هذا جزء عادي جدا من ملابسها ولا يدل على تعليمها او ثقافتها بعكس العباءة عندنا وعلى هذا اسوق حادثة اخرى حصلت امامي : في انتخابات مجالس المحافظات التي جرت في شهر كانون الثاني من عام 2009 بينما كنت املأ استمارة الانتخاب دخلت امرأة كبيرة ترتدي العباءة برفقة ابنتها الشابة فقام مراقبوا المحطة الانتخابية باعطاءها استمارة انتخاب وراحوا يشرحون لها كيف تؤشر على الاستمارة واذا كانت لا تعرف القراءة ان تستعين بابنتها الموجودة معها لتدلها على الاسم المطلوب والرقم فذهبت للمكان المخصص وملأتها وعندما عادت لتضعها في الصندوق حاول اكثر من مراقب ان يرشدها كيف تضع اصبعها في الحبر وكيف تضع الاستمارة في الصندوق وهذا ما لم يحصل مع بقية الناخبين الذي كانوا موجودين في ذات الوقت وانا منهم، فأنتبهت المرأة الى الحالة فقالت لاكثرهم تشكيكا في قدرتها “شكرا لك، قرأت قبل ان آتي الى هنا كيف افعل هذا ولا تغرك العباءة التي ارتديها فانا احمل شهادة دكتوراه” !! .. ربما لم يكن يقصد ذلك المراقب اكثر من ابداء اهتمام زائد بسيدة كبيرة لكن رد فعلها ايضا لم يكن مستغربا وان شعورها بأن اختلاف المعاملة سببه عباءتها لم يأتي من فراغ وانه يمكن ان يكون رد فعل اي اخرى تجرب ارتداء العباءة لفترة وجيزة.. ولهذا هل يمكن ان نطلب من فتاة جامعية محجبة ان ترتدي العباءة العراقية كسمة مميزة لحجابها وهي تعرف كيف ستكون نظرة الناس اليها ؟ ولو حاولت سيصبح لزاما عليها ان تقدم نفسها لسائق السيارة التي تقلها والى بائع المحل الذي ستشتري منه اغراضها و و و على انها طالبة جامعية وليست مجرد بنت جاهلة او ان تلصق على عباءتها من الخلف عبارة ” لا تغرك العباءة فانا متعلمة وجامعية” !
ان هذه النظرة لا تقتصر على مرتدية العباءة في الشارع او السوق لكنها تمتد حتى الى النساء اللاتي انخرطن في مجال السياسة ووصلن الى البرلمان ، فقبل فترة وصلني عبر الايميل رسالة تحتوي على عرض يظهر في بدايته صور لمجموعة من النساء المشتغلات في السياسة في بعض الدول الاوربية وامريكا وكلهن ظهرن في الصور بملابس حديثة وبكامل زينتهن بعدها ينتقل العرض الى مجموعة اخرى من الصور هي لبرلمانيات عراقيات وبالذات ممن يرتدين العباءة حصرا وفوق كل صورة تعليق يدل على امتعاض صانع العرض من صاحبتها وينهي عرضة بعبارة انه بعد ان شاهد هذه الصور وقارن- اكيد من حيث المظهر!!- بين سياسيات العالم وسياسيتنا توصل الى ” حقيقة” ان العراق لن يكون له حل ” چارة”وكأن العباءة هي السبب والمتهم الاول في ما شهدنا ونشهد اواننا اذا حظينا ببرلمانيات على هيئة السياسيات الاوربيات ستحصل المعجزة ويتحول العراق الى جنة في يومين!، واذا كانت هذه نظرة المجتمع للسياسية مرتدية العباءة فكيف ستكون مع الاخرى البسيطة ؟!
يمكن لاي مشكك ان يأخذ جولة في اسواق بغداد وشوارعها ليرى كيف تتعرض “ام العباية” الى تمييز واضح في التعامل وان استبدالها بازياء اخرى جاء لرغبة المرأة في ان تلقى معاملة افضل تتناسب مع تعليمها ودورها في المجتمع، لذا جاء الشادُر الايراني الان باعتبارة تقليعة جديدة في ازياء الحجاب وليس لكونه عباءة والا لما ارتدته الشابات العراقيات, وبكل تأكيد ستأتي ازياء اخرى تسحب المزيد من البساط من تحت العباءة العراقية مادامت نظرة المجتمع العراقي اليها قاصرة ومادامت ” ام العباية” متهمة !

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>