Thursday, 9 of September of 2010

الاغنية العراقية الشبابية..نتاج واقع مؤلم ومجتمع مضطرب

21069

بقلم : كلنار صالح

كتب الاخ يونس حنون مقال بعنوان ” ما اروعها من اغاني ؟؟” حول الوضع المزري الذي وصل اليه وضع الاغنية العراقية بعد الاحتلال الامريكي وحتى الان، داعما رأية بعدد من الاسماء التي صارت تحتل الساحة الغنائية العراقية وتستحوذ على اهتمام جيل كامل من الشباب

لا اختلف هنا مع الكاتب في تشخيصه للانحدار الثقافي المريع الذي وصلت اليه الاغنية العراقية لكني ارى انه لم يكن موفقا في تحديد الاسباب الحقيقة العلمية والموضوعية لهذا الداء المستشري في جسد الاغنية والطرب العراقي والذي ادى الى تلويث ذائقة المستمع العراقي بشدة لدرجة ان عدد لا يستهان به من جيل الشباب اصبح يأنس الى هذا النوع من الغناء ويردد كلمات هذه الاغاني ويحملها في هاتفه النقال ويتداولها مع اصدقائه واقرانه

بداية ذكر الكاتب كلمات لاغنية بثتها قناة الشباب في التسعينات لمؤدية عراقية وكانت كلمات الاغنية تقول” اني بشاربك خلصني منهم ..” واستطيع ان تذكر كلمات الاغنية بشكل جيد وتصوير الاغنية الذي كان يظهر المؤدية وهي تحمل حقيبة ملابسها الكبيرة وهي تجول في الشوارع في اشارة صريحة لهروبها من المنزل !! ..وكيف اثارت كلمات الاغنية وفكرة تصويرها حفيظة المشاهدين مما ادى الى توجيه انتقادات كبيرة للمؤدية ولكلمات الاغنية وتصويرها ، ومرّد هذه الاعتراضات ان المجتمع العراقي في تلك الفترة التي احسب انها كانت قبل منتصف التسعينات كان مايزال يحتفظ بكم كبير من القيم الاخلاقية والثقافية التي هي نتاج تراكمي لعقود الستينات والسبعينات والثمانينات والتي تميزت بازدهار الثقافة والتعليم في العراق بسبب تحسن الوضع الاقتصادي في العراق خصوصا في فترة السبعينات وكان من نتاج هذه الفترة ازدهار الثقافة في العراق التي ارتفعت بدورها بالذوق العام وادت الى ظهور فن غنائي راقي تميز بالالحان الجميلة والكلمات المميزة ومازالت اغاني رواد تلك الفترة خالدة في الذاكرة العراقية ، لكن هل نرى الان نفس الاعتراضات سواء من قبل المثقفين او من قبل الجمهور المتلقي لما يصدر من فن هابط ورخيص ؟ الجواب لا فالكل يعتبر ان الاحداث السياسية التي شغلت وما زالت تشغل الشارع العراقي وجمهور المثقفين عموما هي الشأن الاهم والنظر فيما عداها يمكن ان ينتظر متناسين ان التدهور الاجتماعي والخلقي في اي مجتمع قد يستلزم عقود من الزمن وجهود مضنية لاصلاحه !!

.وبالعودة لتشخيص الاسباب التي ادت الى ما نشهده الان من اغاني ، نلاحظ اولا ان الوجوه التي تحتل الساحة الغنائية الان انما هي شريحة الشباب التي نشأت في ظل ظروف الحصار الذي استمر لاكثر من عشر سنوات وما رافق تلك السنوات من انهيار تام للكثير من القيم الاخلاقية للمجتمع العراقي اضافة الى تردي الوضع الثقافي للفرد العراقي عموما فضلا عن تردي المستوى التعلمي له بسبب الوضع الاقتصادي المتردي اولا ولبقاء العراق طيلة سنوات الحصار معزولا عن العالم والتطور العلمي والثقافي والفني الذي جرى فيه، كما ان هذه الشريحة هي امتداد لمجموعة من المغنين ظهروا في النصف الثاني من فترة التسعينات الذين تميزت اغانيهم بالاسفاف ويمكن تصنيفها على انها من النوع الشائع في الملاهي والنوادي الليلية التي اغلقت في التسعينات واستعيض عنها بمسارح للتهريج والرقص والغناء الهابط والتي سميت بالمسارح التجارية وهذه بعينها كانت بداية الداء ، بعد احتلال العراق في عام 2003 او قبله بقليل انتقل معظم مغنو المسرح التجاري الى عدد من الدول العربية المجاورة وقدموا لونهم الغنائي الهابط في ملاهي هذه الدول وبعضهم استطاع ان يقفز الى بعض القنوات الفضائية التي تلقفتهم لاسباب كثيرة منها كدعاية لنوع الاغاني والراقصات التي سيراها السائح في ملاهي تلك البلدان وبهذا ساعدت هذه القنوات في الترويج السريع لهذه الالوان الغنائية .

ظاهرة اخرى ايضا لابد من الاشارة اليها هنا كونها سبب اخر مهم لاستشراء اللون الغنائي السائد الان على الساحة الغنائية وهي ما حصل من تشجيع من قبل النظام السابق وخصوصا قناة الشباب للون غنائي وتقديمه من خلال هذه القناة وهو الغناء الغجري وفنانات الغجر او كما نسميهم هنا باللغة العامية بالكاولية حيث برزت في فترة التسعينات عدد من الفنانات الغجريات قمن باحتلال الساحة الفنية من خلال تقديم اغاني ورقصات الغجر ليس فقط من خلال تلفزيون الشباب ولكن في المسارح وفي الاحتفالات التي تقام في مناسبات مختلفة مثل ملايين وغزلان وساجدة عبيد التي ظهرت لاول مرة في التلفزيون من خلال قناة الشباب في اغنية ” صدكوني”، ان تشجيع هذا اللون من الغناء وفنانيه وتقريبهم وتفضيلهم ترك ردة فعل عند الطاقات الشبابية الفنية الجادة والتي تسعى نحو فن عراقي هادف وراقي فتوقف تقريبا تجدد دماء الاغنية العراقية الاصيلة فلم يبرز اي وجه غنائي نسائي جديد بعد جيل رائدات الغناء العراقي واقتصرت الساحة على فنانات الغجر اما العنصر الرجالي فأقتصر على جيل من الشباب غير المثقف فنيا من الهواة واغلبهم من الشباب الذي اجبرتهم الظروف الاقتصادية على ترك الدراسة والبحث عن مهن تدر عليهم قوتهم اليومي فوجد بعضهم هذه الفرصة في الغناء

واخيرا جاءت القنوات الفضائية التي فتحت الباب على مصراعيه لكل من هب ودب لتقديم لونه دون اي رقابة فنية تفحص وتقيم ما يقدم وهل يصلح حقا ان يسمى غناءا ام انه مجرد تهريج واسفاف وانحلال خلقي تم ترتيبه ليسمى اغنية

النتيجة من كل هذه السلسلة المتتالية من الانهيارات وانتقال فن الملاهي والمسارح التجارية من نطاق محدود الى نطاق القنوات الفضائية التي راحت تروج له ، ان انظم عدد اكبر من الشباب الراغب في الاثراء السريع الى قائمة الغناء الهابط الذي يستهدف اثارة الغرائز من خلال كلمات الاغنية وعدد من الراقصات اللاتي يرافقن الاغنية بمواصفاتهن وملابسهن الخاصة بهذا اللون من الغناء

ان غياب الوعي باهمية الفن وتأثيره على المجتمع ومسؤولية الفنان عن جيل كامل يمكن ان يتأثر به اضافة الى غياب الثقافة العامة والثقافة الفنية عند جيل كامل من المطربين الشباب الموجودين الان على الساحة هو السبب الاهم والحقيقي لما نسمع ونشهد الان من اغاني هابطة، وهل نتوقع من فنان غير واعي وشبه امي ان يختار احدى روائع الشعر العربي ليغنيها ام انه سيتجه الى صديقه” الفيترجي” او بائع الخضار الذي يجيد ” تصفيط” كلام جلساتهم الخاصة ليكتب له كلمات اغنيته الكاسحة ؟؟!!

ان الفن الهابط والرخيص كان موجودا في كل الاوقات لكنه لم يكن يجرؤا ان يطل برأسه الا في الامكان التي تسمح له بذلك مثل الملاهي الليلية وان اطلالة اغنية ” اني بشاربك..” من على شاشة التلفزيون كان النذير الاول لحالة شاملة من التردي شملت بعد ذلك كل مجالات الحياة ومن ضمنها الفن والغناء والمجتمع عموما ..ان الفن هو مرآة المجتمع الصادقة وما يصيب المجتمع يظهر بشكل جلي في فنون ذلك المجتمع لهذا يمكننا ان نقول ان مؤدية اغنية ” اني بشاربك خلصني منهم …” هي الام الروحية لكل مطربي الهبوط والاسفاف الذين نشهدهم اليوم على الساحة الغنائية وان المد الذي استمر بعد اغنيتها تلك هو الذي طغى وانحسر بعدها عن ما نشهده الان ..

ان النهوض بمستوى الاغنية العراقية وتخليصها مما علق بها من ادران يكون بجهد مشترك من قبل المثقفين بصورة خاصة من خلال انتقاد السيء منها وتشجيع الجيد وهذا بدورة سيؤدي الى رفع الذوق العام خصوصا عند شريحة الشباب وان نفس الدور يقع على عاتق القنوات الفضائية العراقية من خلال اعادة الرقابة الفنية على ما يعرض من اغان


Leave a comment