د. كفاح الجواهري*
أفرزت إنتخابات مجلس النواب 2010 الكثير من المؤشرات والتساؤلات التي تحتاج لوقفة تأملية والإستفادة من دروسها.
أولاً: تعديل قانون الإنتخابات وقواعد الترشيح
حقق تعديل القانون باعتماد القائمة المفتوحة خطوة إيجابية مهمة نحو الممارسة الفعلية للناخب باختيار ممثله وفق قناعته الواعية بالمرشح الذي سيصوت له وبالتالي تحمله مسؤولية هذا الاختيار.
إلا أن هذا التعديل الذي أعطى المواطن هذا الحق وحمله هذه المسؤولية عاد وسلبه منه عندما نص على إعطاء أصوات الكتل الخاسرة للكتل الفائزة، في محاولة واضحة لتكريس هيمنة الكتل المتنفذة والماسكة بالسلطة، وقاطعاً الطريق أمام ظهور قوىً سياسية جديدة.
من جهة أخرى لم نجد أي مبرر لإبقاء المقاعد التعويضية السبعة وجعلها مكافأة للكتل الفائزة، وكان من الأفضل والأعدل إضافتها للأقليات وزيادة تمثيلهم في مجلس النواب، خصوصاً وأن عدد المقاعد التي خصصت لهم (8 مقاعد) لا يتناسب مع نسبتهم السكانية.
ولم يكن مقبولاً ولا مقنعاً قرار المفوضية بمضاعفة عدد مرشحي الكيانات لضعف عدد المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية الواحدة!. لان هذا القرار صب في مصلحة القوائم الكبيرة، وكان وسيلة للاستحواذ على أصوات إضافية لهذه القوائم.
وقد أدى نظام الدوائر المتعددة إلى تشتييت أصوات القوائم الصغيرة وحرمانها من الحصول على موقع في المجلس بالرغم من حصولها على عدد من الأصوات على المستوى الوطني يؤهلهم للفوز بمقاعد في المجلس في حال تطبيق نظام الدائرة الواحدة.
من جانب ذي صلة أثر سلباً وبدرجة كبيرة على الإنتخابات عدم تشريع قانون الأحزاب وضوابط تأسيسها وعملها وتمويلها. وأدى ذلك إلى دخول هذا الكم الهائل مما يسمى بالكيانات السياسية في المنافسة الإنتخابية، والذي تسبب بدوره إلى تشتت أصوات الناخبين>
وفشل جميع الكتل الجديدة، التي صوتوا لها في الحصول على القاسم الإنتخابي. ومن نتائج غياب قانون الأحزاب وعدم تضمين قانون الإنتخابات وتعديله ضوابط تمويل الحملات الإنتخابية، صرف وإهدار ملايين الدولارات مجهولة المصادر واستغلال المال العام في هذه الحملات.
ثانياً: المشاركة في الإنتخابات
بلغ عدد الأصوات الصحيحة للناخبين المعلنة من قبل المفوضية (11526412) ناخبا، الامر الذي يعني أن ما يقارب (12) مليون مواطن أو أكثر شارك في هذه الإنتخابات، وهو رقم جيد وفق المعايير الإنتخابية الدولية، خصوصاً وأن كثيرا من الاستطلاعات التي سبقت الإنتخابات كانت تشير إلى توجه الكثير من المواطنين لمقاطعة الإنتخابات نتيجة الإحباط الذي أصابهم من أداء مجلس النواب والسلطة التنفيذية معاً وتجاهلهم لاحتياجات المواطن الأساسية وتكريس جهودهم لتأمين إمتيازاتهم الخاصة الشخصية والحزبية.
إن هذا الإقبال الجيد على التصويت يعكس تنامي القناعة لدى المواطن العراقي بأهمية صوته وضرورة مساهمته في اختيار ممثليه.
كما أن الاحتقان السياسي الذي ولدته الكتل الكبيرة قبيل الإنتخابات نتيجة عدم قبول الآخر، أدى لاستقطاب الناخبين لتأييد هذه القائمة أو تلك ودفع الكثيرين للمشاركة في الإنتخابات، بعد أن كانوا يفكرون بمقاطعتها.
ثالثاً: البحث عن رمز وطني
غياب ضرورة البناء المؤسساتي للدولة عن أجندة القوى المتنفذة في السلطة، وعززت بعض الممارسات والحملات الاعلامية والدعائية الى ترديد نغمة ان العراق بحاجة لمن يخرجه من الاحوال السيئة التي يمر بها.
ويمكن تاشير هذا الاتجاه الذي تعزز عند الناخبين في البعض من القوائم الفائزة، ، حيث نلاحظ أن الفرق بين أصوات رئيس قائمة «إئتلاف دولة القانون» في بغداد والفائز الثالث يقارب (100) ضعف والفرق بينه وبين الفائز الثاني يقارب (22) ضعفاً، والفرق بين رئيس قائمة «إئتلاف العراقية» في بغداد والفائز الثالث يقارب (52) ضعفاً.. ومما يؤكد ذلك أن عدد أصوات الفائزين من هاتين القائمتين في المحافظات الأخرى والتي لا يتصدرها رمز من رموزها كانت متجانسة نوعاً ما. في الوقت نفسه استطاعت قوائم «الإئتلاف الوطني العراقي» و»التحالف الكوردستاني» و»كوران- التغيير» أن تنظم حملاتها الإنتخابية بصورة جيدة وتبتعد عن الرموزية، فجاءت نتائج فائزيها متجانسة نوعاً ما.
رابعاً: التمثيل الاعتباري للشعب
عند تحليل نتائج الإنتخابات نجد أن من أصل 325 فائزاً لم يتجاوز عتبة القاسم الإنتخابي سوى (18) ثمانية عشر فائزاً (إئتلاف دولة القانون 4, إئتلاف العراقية 5, الإئتلاف الوطني العراقي 5, التحالف الكوردستاني 2, كوران_ التغيير 1, الجماعة الإسلامية الكوردستانية1)، ويبين هذا التحليل أن :
67 فائزاً حصلوا على أقل من (4000) صوتاً، و35 فائزاُ حصلوا على أقل من (7000) صوتاً، و34 فائزاُ حصلوا على أقل من (10000) صوت، و73 فائزاُ حصلوا على أقل من (15000) صوت، و36 فائزاُ حصلوا على أقل من (20000) صوت، 18 فائزاُ حصلوا على أقل من (25000) صوت، و34 فائزاُ حصلوا على أقل من (30000) صوت، و7 فائزين حصلوا على أقل من (35000) صوت، و9 فائزين حصلوا على أقل من (40000) صوت، و7 فائزين حصلوا على أصوات تراوحت بين(40000- 50000) صوت، وحصل (11) فائزاً فقط على ما يزيد عن (50000) صوت. علماً أن القاسم الإنتخابي تراوح بين (49037) في السليمانية و(27282) في ميسان.
إن هذه النتائج تدلل بوضوح على أن الناخب قد صوت للقوائم بصفتها الإعتبارية ولرموزها وأسقط بقية المرشحين قاطبة الخاسرون منهم والفائزون، لأن هؤلاء الفائزون حصلوا على مقاعدهم بفضل فائض أصوات قوائمهم، أو بفضل الكوتا النسائية أو بفضل كوتا الأقليات. لذلك تضع هذه النتائج النواب الجدد أمام إمتحان خطير قد يهدد مستقبلهم السياسي الشخصي، بل ويهدد مستقبل أحزابهم إن كرروا نموذج مجلس النواب المنتهية ولايته دون أسف من أحد، أو يعيد لهم إعتبارهم وثقة الشعب بهم إن تحملوا مسؤولياتهم في بناء أسس دولة المواطنة والمؤسسات والقانون والعدالة، ووضعوا مصلحة المواطن وحقه في حياة كريمة أمام أعينهم وفي أولويات واجباتهم وليس مصالحهم الشخصية والحزبية، من خلال إنجازالتعديلات الدستورية وتشريع القوانين الأساسية لبناء الدولة المدنية الحديثة، والمراقبة الصارمة للأداء الحكومي والمكافحة الجدية والحقيقية للفساد المالي والإداري وتأمين الأمن الإنساني للمواطنين.
خامساً: ازدياد الثقة بأهلية المرأة في المشاركة بصنع القرار
بالرغم من استمرار سيادة الموروث الاجتماعي الذكوري والنظرة السلبية لدور المرأة في المجتمع، وبصورة خاصة مشاركتها في مراكز صنع القرار، إلا أن نتائج الإنتخابات تشير إلى دلالات إيجابية متميزة لقناعات متنامية نسبياً لدى الناخبين بخصوص هذه المشاركة. من خلال تحليل نتائج الإنتخابات، يلاحظ أن (21) فائزة بعضوية مجلس النواب الجديد حصلن على عضويتهن خارج «الكوتا النسائية، متجاوزات وزراء وشخصيات سياسية قيادية في كتلهن والكتل الأخرى. عند مقارنة عدد الأصوات التي حصلن عليها عضوات مجلس النواب الجديد بعدد الأصوات التي حصلت عليها زميلاتهن في مجالس المحافظات التي جرت إنتخاباتها قبل سنة فقط نلاحظ البون الشاسع بين العددين لصالح عضوات مجلس النواب، ما يدلل على إنعطافة مهمة لدى الناخب العراقي تعبر عن إزدياد ثقته بدور المرأة في صنع القرار. وتعطي المقارنة التالية لنتائج العضوات في أكبر ثلاثة محافظات: بغداد ونينوى والبصرة صورة عن هذا التغيير لدى الناخب العراقي. في محافظة بغداد كان معدل أصوات الفائزات في مجلس المحافظة (1348)، بينما معدل الأصوات في مجلس النواب (4434)، وكان عدد أصوات الفائزة الأولى في المحافظة (2448) بينما عدد أصوات نظيرتها في مجلس النواب(31947)
في محافظة نينوى كان معدل أصوات الفائزات في مجلس المحافظة (1631)، بينما معدل الأصوات في مجلس النواب (3535)، وكان عدد أصوات الفائزة الأولى في المحافظة (6932) بينما عدد أصوات نظيرتها في مجلس النواب(17275)
في محافظة البصرة كان معدل أصوات الفائزات في مجلس المحافظة (724)، بينما معدل الأصوات في مجلس النواب (3617)، وكان عدد أصوات الفائزة الأولى في المحافظة (942) بينما عدد أصوات نظيرتها في مجلس النواب(8609). إن تعزيز هذا الإنعطاف النسبي في مزاج الناخب نحو التصويت للنساء، يتطلب من عضوات المجلس الجديد الوعي الكامل بمسؤوليتهن الكبيرة إتجاه المواطن عموماً واتجاه بنات جنسهن وإقناع الجميع بإمكانيتهن في المشاركة بصنع القرار، من خلال تكوين لوبي نسائي ضاغط سواءً فيما يخص المرأة والطفل أو القضايا العامة والمساهمة الفاعلة في أعمال المجلس التشريعية والرقابية.
هذا الخبر من موقع جريدة الصباح
