صوتك ثمين .. فانظر من يستحق أن تمنحه إياه
المنعطف
نشرة أسبوعية سياسية تجريبية
محررها: ضياء الشكرجي
بقلم المحرر
هذه أفكار في إطار التوعية الانتخابية، أحب أن أضعها بين يدي الناخب العراقي والناخبة العراقية، أولئك المسجلين في سجل الناخبين، سواء العازمين منهم على المشاركة في الانتخابات، أو العازفين عنها، أو المترددين حتى الآن.
أحاول من خلال هذه الأفكار تقصي أقصى ما أبلغه من موضوعية وتجرد، من أجل أن نحدد، سوية أنا والقارئة الكريمة والقارئ الكريم، الموقف المطلوب ابتداءً في أصل المشاركة، ثم إذا ما حسمنا أمرنا إيجابيا من المشاركة، أن نحدد من بعد ذلك المعايير للمرشح الذي يستحق أن نمنحه كناخبين ثقتنا، وبالتالي صوتنا. وسنحاول سوية تحديد المعايير، بقطع النظر عمن تنطبق أو لا تنطبق عليه.
ابتداءً لأطرح السؤال على نفسي كناخب، ما إذا تستحق القضية أن أشارك من جديد في الانتخابات، ومدى الجدوى من مشاركتي، وما إذا كانت مشاركتي قادرة على أن تغير شيئا من واقعنا السياسي والثقافي والاقتصادي والخدمي والمعاشي، أم ستبقى الأمور على ما هي عليه، سواء ذهبت إلى المركز الانتخابي في السابع من آذار المقبل، وأدليت بصوتي، أو لزمت البيت، وقاطعت الانتخابات، واقتصرت ربما على متابعتها من غير اكتراث جدي على الفضائيات، لكوني لا أعول عليها في تغيير شيء من واقعنا.
بشكل عام نجد أنفسنا أمام خيارين، إما المشاركة، وإما عدمها. فلننظر ما هي الانعكاسات المحتملة للموقفين.
المشاركة تؤدي إلى ثلاثة احتمالات:
1. الاحتمال الأول أني سأسهم في تغيير المعادلة السياسية، وأكون مشاركا في عملية التغيير والتصحيح والإصلاح بشكل كبير جدا، باختيار الأصلح.
2. الاحتمال الثاني هو الذي يقف في المقابل من الأول، أي إن مشاركتي، كما هو الحال مع عدم مشاركتي، لن تغير بالمطلق أي شيء من الواقع الذي نحن فيه، أو تغير في أحسن الأحوال تغييرا ضئيلا جدا، يكون هو والعدم على حد سواء.
3. أما الاحتمال الثالث، هو أني بمشاركتي سأسهم في تصحيح المسار السياسي، لكن ليس بالضرورة بشكل كبير، ناهيك عن أن يكون جذريا، وإنما بدرجة، قلت أو كثرت، تبقى محدودة نسبيا، ولكن مع محدوديتها، يمكن أن تكون مهمة ومؤثرة، كما يمكن أن تكون مقدمة لتغييرات متعاقبة في الدورات الانتخابية المقبلة، تتكامل حتى بلوغ الحالة المنشودة.
فلو وضعنا أمامنا هذه الاحتمالات الثلاث بشكل متساو، وجدنا أن الموقف السلبي من الانتخابات والعزوف عن المشاركة فيها هو الخيار الأسوأ. إذن لا بد من أن نجعل الأمل ينبعث في نفوسنا في أن يكون غد العراق أفضل من يومه. فإننا إلم نستطع أن نُصلح ونُصحّح ونُغيّر كل ما يجب تصحيحه وإصلاحه وتغييره، سنستطيع حتما أن نحقق بعض الإصلاح والتصحيح والتغيير، وسنضع العملية السياسية على الطريق الصحيح، باتجاه الإصلاح والتصحيح والتغيير المتكامل مرحلة بعد مرحلة، وهكذا هي عمليات التحول الديمقراطي في كل دول العالم التي جرى فيها التحول بعد عهود من الديكتاتورية، أو من الحروب، أو الأوضاع السياسية السيئة، أو قل غير الملبية لتطلعات الشعب.
بعدما نحسم قرار المشاركة، وأكون مقتنعا أني أنا الناخب الواحد الفرد، أستطيع أن أسهم إسهاما مؤثرا في عملية التغيير والبناء، لا بد أن أضع في حسابي، أن صوتي ليس بالبضاعة البخسة، بل هو ثروة ثمينة، يجب عليّ أن أحرص على حسن الاختيار، لمن أستودعه إياها، ليكون أمينا عليها.
إذن وعلى ضوء ما تقدم لا بد من أن نفكر بشكل جيد، لمن نمنح أصواتنا. الاختيار يتجه باتجاهين، باتجاه القائمة، أو باتجاه المرشح. فنحن الآن أمام ما سُمِّي بالقائمة المفتوحة، ولو إن التسمية غير دقيقة، ولكن دعونا ننطلق من الواقع الذي أمامنا، وليس مما كان ينبغي أن يكون عليه الأمر. إذ أنه كان من المستحسن ألا يكون من حق الناخب أن ينتخب مرشحا واحدا من القائمة التي اختارها، بل أن ينتخب عددا، قد يكون الأربعة مناسبا، من أجل مراعاة (الكوتا) النسائية، ليكون ما لا يقل عن واحد من المرشحين الأربعة من النساء، ولكي لا يكون التركيز على الرمز أو رئيس القائمة، بل تكون هناك فرص مفتوحة أكثر للاختيار. على أي حال وبعيدا عن التمنيات فإن القانون الذي شرع، والذي نحن ملزمون بمراعاته، هو أن الناخب مُخيَّر بين خيارين؛ إما أن يؤشر على القائمة فقط، فيكون كمن انتخب على أساس القائمة المغلقة، وإما أن يؤشر مرتين؛ مرة على القائمة، وأخرى على رقم مرشحه المفضل، الذي يريد انتخابه من بين مرشحي تلك القائمة. أما إذا أخطأ الناخب، فأشر على المرشح دون التأشير على القائمة، فستُهمَل بطاقته الانتخابية، وسيضيع صوته، كما لو لم يشارك في الانتخابات.
إذن لا بد أولا من تحديد القائمة، ائتلافا انتخابيا كانت، أو حزبا. والداعي لاختيار القائمة يكون إما لقناعة الناخب، بأن هذه القائمة تمثل وجهته السياسية، وإما أنها تستحق منحها ثقته أكثر من غيرها لأسباب تختلف من ناخب إلى آخر. ولكن قد لا يكون هذا هو الداعي لاختيار القائمة، بل الداعي هو ثقته بمرشح محدد ضمن تلك القائمة، يعتبره مرشحه المفضل، ويريد أن يدخله بصوته مجلس النواب، حيث يعلم ضمن أي قائمة انتخابية قد ترشح مرشحه، فيؤشر على تلك القائمة، بسبب وجود مرشحه المفضل فيها، ثم يذهب ليؤشر على رقم تسلسل ذلك المرشح، كأن يكون 14 أو 128 أو أي تسلسل آخر. كما للمرشح أن يختار مرشحه الذي نزل ككيان فردي باسمه هو، وليس ضمن قائمة انتخابية.
دعونا الآن نرى ما هي أهم معايير الاختيار لدينا، وذلك فيما يتعلق بالقائمة من جهة، وفيما يتعلق بالمرشح من جهة أخرى. والفرق بين القائمة والمرشح، هو أن هذه المعايير يجب انطباقها، بنسبة مقبولة على المرشح الفرد، ولكن فيما يتعلق بالقائمة، فلا يجب انطباق هذه المعايير على كل مرشح من مرشحي تلك القائمة، لا لأن ذلك ليس مطلوبا، بل لأنه ربما غير متحقق في معظم القوائم، إذا تجنبنا التعميم بقول كل القوائم، ولذا تكون المعايير مطلوبا تحققها في القائمة، بمعنى وجود عدد يعتد به – كمّاً أو نوعاً – من مرشحيها، أو يكون مرشحوها البارزون، ممن يتحلى بقدر جيد من متطلبات كل من المعايير المذكورة، فعندما يذكر المرشح في المعايير أدناه، فيعني أن يكون المرشح – أو مرشحوا تلك القائمة البارزون، أو عدد يعتد به، كمّاً أو نوعاً، منهم، ممن يكون متوفرا على المعايير أو الشروط المطلوبة، وأهمها في تقديري هي:
1. عراقية التوجه: بمعنى ألا يكون ذا نزعة فئوية، طائفية، شيعية كانت أو سنية، أو نزعة عرقية، عربية كانت أو كردية أو غيرها. وهذا لا يعني تذويب الخصوصيات الثقافية لمكونات الشعب العراقي، بل يعني أن تتقدم لدى المرشح عراقية التوجه على غيرها بشكل واضح، ولا يقدم صالح المكون الذي ينتمي إليه على الصالح العراقي العام، مع الاحتفاظ بحقه في حماية حقوق مكونه إذا رآها مهددة أو منتقصا منها، بل عراقيته تدعوه للمبادرة عن الدفاع عن حقوق مكون غير مكونه، عندما يراها مهددة أو منتقصا منها. هذا بالنسبة للمرشح، أما بالنسبة للقائمة، فعلاوة على ما ذكر، بمعنى ألا تكون القائمة مغلقة على طائفة واحدة، كأن تكون قائمة شيعية محضة، أو قائمة سنية محضة. وعندما أقول محضة، لا يعني هذا عدم وجود مرشحين من الطائفة الأخرى، أو حتى من دين آخر في القائمة، ولكن إذا شخص أن هؤلاء يمثلون حالات مفردة، أريد من وجودهم في القائمة على الأرجح تزويقها بهم، من أجل إضفاء صبغة غير طائفية، مما لا يغير من حقيقة أن تلك القائمة تعتبر قائمة شيعية، أو قائمة سنية، بامتياز.
2. مدنية التوجه: بمعنى عدم تبنيه لتسييس الدين، لما يترتب على ذلك من إضرار بقضايا السياسة والوطن، وقضايا الدين على حد سواء، وعدم اعتماد توظيفه أي الدين، والشعائر والمقدسات والرموز والمرجعيات لأغراض الكسب السياسي، عبر استغلال العواطف الفطرية الطيبة للأوساط المتدينة أو المعتزة بدينها أو مذهبها، من أجل حصد أصوات هؤلاء، واستخدامها جسرا إلى مجلس النواب، ثم إلى السلطة، أو بالنسبة للمؤمنين عن قناعة صادقة بالإسلام السياسي، حتى غير المستغلين له كوسيلة للوصول إلى السلطة، لكون التشدد والتزمت الديني، الذي هو غالبا مما يلازم دعاة الإسلام السياسي، غالبا ما يكون مبررا للتضييق على الحريات العامة، والتعارض مع مبادئ الديمقراطية وأسس الدولة المدنية العصرية، مع ضرورة الالتفات إلى وجوب التمييز، بين الإسلام السياسي والدين الإسلامي، وبين تسييس الدين والإيمان بالدين والالتزام به.
3. النزاهة: بمعنى تحليه بقدر جيد من النزاهة والصدق والتمسك بالقيم.
4. الكفاءة: بمعنى تميزه بقدر جيد من الكفاءة، إما من حيث الاختصاص الأكاديمي، أو الخبرة السياسية أو غيرها، مما يمكنه من الاضطلاع بمهامه كنائب أو مسؤول.
5. الحس الوطني: بمعنى أن يكون معروفا بحسه الوطني، واعتزازه بعراقيته، التي تحصنه دون السكوت على تخرصات وتدخلات أي من دول الجوار أو غيرها بما يسيء إلى أمن العراق واستقراره، أو إلى اقتصاده، أو بيئته، أو مشروعه الديمقراطي.
6. النزعة الإنسانية: بمعنى أن يكون ذا نزعة إنسانية تمنعه من اللامبالاة تجاه معاناة الإنسان في العراق، من كل ما ينغص عليه حياته.
7. العقلانية والاعتدال: بمعنى أن يكون متحليا – مهما اعتمد من توجه سياسي – العقلانية والاعتدال، وألا يعرف عنه تطرف ديني أو مذهبي أو قومي أو عشائري أو إيديولوجي أو حزبي.
8. الإيمان بالديمقراطية: وذلك بكل لوازمها، من مبادئ حقوق الإنسان، وأسس الدولة المدنية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، إيمانا مقترنا بخطاب ديمقراطي واضح، وسلوك ديمقراطي، بعيدا عن الازدواجية، علاوة على الإيمان بالتعددية السياسية، وعدم استبدالها بالتخندقات الطائفية والعرقية، وألا تكون الديمقراطية مختزلة بالانتخابات ونتائجها.
9. السبق: بمعنى سبقه في اعتماد المعايير أعلاه، وذلك كمؤشر على صدق التوجه، أو صدق التحول، بالنسبة لمن حصل لديه تحول من توجه سابق (ديني إلى مدني، أو طائفي إلى وطني)، باعتبار أن السبق إلى ذلك في وقت لم يكن له مصلحة سياسية، شخصية كانت أو حزبية، يرجح صدقه أكثر ممن غيّر خطابه وتحوّل في متبنياته السياسية في الآونة الأخيرة، أي في 2008، أو 2009، عام انتخابات مجالس المحافظات، وعام الاقتراب من انتخابات مجلس النواب، هذا دون أن يعني بالضرورة أن كل من تحول مؤخرا غير صادق، ولكن أقول إن السبق يمثل مبررا إضافيا لمنح الثقة أكثر لصاحبه من الحال مع المتأخر في التحول المذكور.
ويبقى سؤال مهم، هو ما إذا تكون الأولوية في تحديد خيار الناخب، لعرض القائمة أم عرض المرشح على المعايير المذكورة، أو أية معايير أخرى، يراها الناخب مهمة بالنسبة له. هنا أقول إن لكل من العَرضَين مهمان، وهما متكاملان، ومؤثران بأحدهما الآخر. مع هذا أقول، أفضّل شخصيا للناخب، أن يبحث عن المرشح الصالح، أي المنطبقة عليه المعايير المطلوبة، قبل أن يبحث عن القائمة الصالحة. فلو كانت قناعتك كناخب بقائمة ما مترددة، أي بنسبة 50%؛ فلا هي مرفوضة رفضا تاما، ولا مقبولة بما يلبي تطلعاتك، بينما قناعتك بمرشح من مرشحيها قد تبلغ ما بين 70 إلى 95%، فيكون القرار الصائب هو أن تذهب إلى تلك القائمة فتنتخبها، على ألا تنسى أن تؤشر الإشارة الثانية على مرشحك الذي حولتك قناعتك به من التردد تجاه قائمته إلى حسم الاختيار. وهذا التقديم للمرشح على القائمة، خاص بطبيعة الحال بهذه الانتخابات بالذات، ولا يمكن تعميمه ليمثل معيارا ثابتا، فلانتخابات 2014 ستكون هناك من غير شك شروط وأولويات أخرى، تلتقي بقدر ما بشروط انتخابات 2010، وتفترق عنها بقدر، بإضافة، أو حذف، أو تعديل، ولكل حادث حديث، ولكل دورة انتخابية خصوصيتها التي تتميز بها، كما ولها مشتركاتها مع ما قبلها أو ما بعدها.
16/01/2010
Date: February 15, 2010